خواطر وجدانيهمقالات ادبية

تراتيل الغياب: صلاة الضحى الأولى

Spread the love

بقلم عبير الامير

لَمْ تَسْلِبْنِي الأَقْدَارُ إِيَّاهُ رَغْمًا عَنِّي، بَلْ كُنْتُ أَنَا مَنْ تَرَكْتُهُ.. تَرَكْتُهُ لِيَمْضِيَ نَحْوَ مَنْ يُحِبّ. لَمْ يَكُنْ فِرَاقِي لَهُ تَخَلِّيًا، بَلْ كَانَ فَيْضًا مِنْ عِشْقٍ جَارِفٍ جَعَلَنِي أُقَدِّمُ سَعَادَتَهُ عَلَى نَحِيبِ قَلْبِي؛ فَقَطْ لأَنْظُرَ إِلَى مَلامِحِهِ وَهِيَ تَبْتَسِمُ، تِلْكَ المَلامِحُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي خُيِّلَ لِي أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهَا فِي هَذَا الكَوْنِ إِلَّا أَنْ تَتَبَسَّمَ، وَلَوْ كَانَ ثَمَنُ تِلْكَ البَسْمَةِ سَحْقَ رُوحِي.

وَلَكِنْ، كَيْفَ يَسْتَوْطِنُنِي بَعْدَ ذَلِكَ طَيْفٌ تَفْصِلُنِي عَنْهُ بِلَادٌ لَا تَعْرَفُ بِلَادِي، وَتَحْجُبُهُ عَنِّي مَسَافَاتٌ لَمْ تُخْلَقْ لِتُقْطَعَ؟ كَيْفَ أَعِيشُ مَعَ رُوحٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي وَاقِعِي، فِي غِيَابٍ تَامٍّ لِكُلِّ سُبُلِ اللِّقَاءِ، فَلَا هَاتِفٌ يَرِنُّ، وَلَا رِسَالَةٌ تَصِلُ، وَلَا عَيْنٌ تَلْتَقِي بِعَيْنٍ؟

لَقَدْ كُتِبَ عَلَيَّ أَنْ أَصِيرَ الطَّرَفَ الثَّالِثَ المَنْسِيَّ فِي حِكَايَةٍ صَنَعْتُ خَاتِمَتَهَا بِيَدَيَّ؛ غَدَتْ “حَبِيبَتُهُ” هِيَ نَافِذَتِي الوَحِيدَةَ عَلَى وُجُودِهِ، وَوَسِيلَتِي اليَتِيمَةَ لأَتَحَسَّسَ

أَنْفَاسَهُ فِي هَذَا الكَوْنِ. أَتَسَحَّبُ كُلَّ مَسَاءٍ وَصَبَاحٍ إِلَى شُرْفَتِهَا الإِلِكْتُرُونِيَّةِ، أَتَرَقَّبُ بِقَلْبٍ يَرْتَجِفُ ذَلِكَ السَّطْرَ القَاسِيَ الَّذِي يَذْبَحُنِي مَرَّتَيْنِ: مَتَى سَتَتَغَيَّرُ حَالَتُهَا الاِجْتِمَاعِيَّةُ لِتُعْلِنَ أَنَّهَا “مَخْطُوبَةٌ لَهُ”؟

أَسْتَمِعُ بِشَغَفٍ مَكْسُورٍ وَأَنْفَاسٍ مُحْتَرِقَةٍ إِلَى الأُغْنِيَاتِ الَّتِي تَخْتَارُهَا، لأَنَّنِي أُدْرِكُ يَقِينًا أَنَّهُ يُشَارِكُهَا ذَاتَ اللَّحْنِ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ، فَأَقِفُ عَلَى عَتَبَاتِ سَمْعِهِمَا كَالغَرِيبَةِ الطَّرِيدَةِ.

وَهَكَذَا، تَمْضِي لَيَالِيَّ الطِّوَالُ.. أَطُوفُ كَالمُشَرَّدِ فِي بُرُوفَايْلَاتِ أَصْدِقَائِهِ، أَسْتَجْدِي مَلَامِحَهُ لِيَنْطَفِئَ غَلِيلُ الفَقْدِ وَلَوْ لِثَوَانٍ، مَغْلُوبَةً عَلَى أَمْرِي، مُمَزَّقَةً بَيْنَ غَيْرَةٍ تَأْكُلُ أَحْشَائِي وَعَجْزٍ يُقَيِّدُ يَدَيَّ.

ثُمَّ يُشْرِقُ الصَّبَاحُ، فَأَحْمِلُ خَيْبَاتِي وَأَشْوَاقِي وَأَمْضِي.. عِنْدَ العَاشِرَةِ صَبَاحًا، أَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لأُصَلِّيَ صَلَاةَ الضُّحَى؛ **تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي عِشْتُ عُمْرِي كُلَّهُ لَمْ أَرْكَعْ فِيهَا رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَلْتَفِتْ قَلْبِي لِمِيقَاتِهَا يَوْمًا، حَتَّى رَمَانِي حُبُّهُ فِي جَوْفِ العَذَابِ، فَجَاءَ بِي الشَّوْقُ مَكْسُورَةً سَاجِدَةً، أَتَعَلَّمُ البُكَاءَ فِي المَحَارِيبِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ.**

هُنَاكَ، فِي السُّجُودِ، أَتَحَرَّرُ مِنْ كِبْرِيَائِي، فَأَغْرَقُ فِي دُمُوعِي وَأَبُثُّ إِلَى اللهِ لَوْعَةَ رُوحِي:

“يَا رَبِّ، إِنَّ قَلْبِي يُؤْلِمُنِي أَلَمًا لَا يُطَاقُ، وَأَنَا أَرَى نَفْسِي غَرِيبَةً عَلَى هَامِشِ حَيَاتِهِ الَّتِي صَنَعْتُ بَسْمَتَهَا. يَا رَبِّ، إِنْ كَانَ هَذَا العِشْقُ اِبْتِلَاءً، فَخَلِّصْنِي مِنْهُ بِاقْتِلَاعِ جُذُورِهِ مِنْ صَدْرِي، وَازْرَعْ مَكَانَهُ كُرْهًا يُطَهِّرُنِي، فَهُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لأَطْوِيَ هَذِهِ الصَّفْحَةَ الَّتِي تُمَزِّقُنِي. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الحَبِيبِ نَصِيبٌ لِي، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ لأَيَّامِي، فَأَكْرِمْنِي يَا اللهُ بِنِعْمَةِ النِّسْيَانِ، وَامْسَحْ عَلَى قَلْبِي بِرَحْمَةٍ مِنْ عِنْدِكَ.. فَإِنِّي لَمْ أَعُدْ أَقْوَى عَلَى اِحْتِرَاقِ الطَّرَفِ الثَّالِثِ.”

زر الذهاب إلى الأعلى