بقلم / عبير الأمير

حزنٌ يتوعدني.. مثل ذاك الكلب الأسود الذي كان يلاحقنا في المنام ونحن أطفال. أراه بصفاقته ووجهه الخبيث المسعور يتوعدني حال خروجي من البيت، فأرتدُّ على عقبيَّ خائفة.. لأعود إلى غرفتي، وأقفل بابي على ذاتي خوفاً من الخروج.
لكن الجدران لا تحميني.. إذ أسمع صيحاته ولهثاته تتربص بي في عتمة الزوايا.
أعود إلى سريري أحاول ألا أشعر به وأنام،
أراه يربض فوق وسادتي، يلهث فوق أنفاسي، حتى إني أشعر بسُعابه الساخن ينزل على وجهي، يلوث سكينتي، فيسلبني الأمان.
وحتى في لحظات صفوي، أراه يتوعدني في ضحكاتي؛ فيبدلها دموعاً تكاد تظهر من فرط فرحي، يرفض حتى أن يتركني لفرحة بعض أيامي.
وأحياناً، يتراجع خطوتين.. يمنحني هُدنةً مخاتلة، فيتوارى في العتمة ليقنعني بزيف النجاة. وما كانت غيبته تلك إلا مكيدةً؛ يُرخِي لي فيها حبل الأمل، مستمتعاً برؤيتي وأنا أرمّم شتاتي، ليتحيّن لحظة الانقضاض الأشد ضراوة.
وأهرب من خديعته إلى نفسي.. أقف أمام المرآة أتزين وفي يدي تلك المساحيق التي تخفي أي ألم، مستجدية وجهي القديم، فإذا بي أراه يتوعدني حين أرى نفسي! أجده يقف بجانبي في المرآة خلف ملامحي.
أنظر بعمق، فلا أجدني.. لقد سرق ملامحي، وصار وجهه الخبيث المسعور يرتسم مكان وجهي، فأجد نفسي أصبحتُ شبهه، وغريبةً تماماً عن ذاتي.
أراه يتوعدني حتى حين أشعر بالانتماء إلى عالمي وأصدقائي.. فيركض خلفي، ينهش روحي، يعضني بعضَّته المسمومة، ويسعرني بأنفاسه الحارة.
يلهث حولي ويدور، يمتص كل قطرة طهرٍ ونقاء في دمي.. والمرعبُ حقاً أني بعد طول فرار بدأتُ آلفُ هذا السجن، فما عاد طريداً في الخارج، بل غدا شريكاً يمتزجُ بملح طعامي ويقبعُ في قاع كأسي؛ يستوطن تفاصيلي حتى صرتُ أستوحشُ غيابه العابر. فلا يتركني ميتة لأرتاح، بل يفرغني من الإنسانية بهذا الامتزاج، حتى أصير مثله: عدوانية.. غاضبة.. عنيفة….




