سفير بحجم وطن
السفير الدكتور عادل محمد باحميد: من حضرموت إلى كوالالمبور، دبلوماسية في خدمة الإنسان والمغترب
في زمن تتكاثر فيه الجراح على جسد اليمن، وتتوزع فيه أحلام أبنائه على خرائط الغربة، يحتاج المغترب اليمني إلى أكثر من مبنى يرفع العلم، وأكثر من نافذة تختم الأوراق. يحتاج إلى بيت يشبه البيت، وإلى رجل يشعر أن هموم الجالية همومه الشخصية. ومن بين الأسماء التي ارتبطت في ذاكرة اليمنيين في ماليزيا بهذا المعنى، يبرز اسم السفير الدكتور عادل محمد علي باحميد، سفير الجمهورية اليمنية فوق العادة والمفوض لدى ماليزيا، والسفير غير المقيم لدى فيتنام وكمبوديا والفلبين وتايلاند.
ليس هذا المقال سيرة ذاتية بالمعنى الجاف للكلمة، بل محاولة لقراءة تجربة رجل جمع بين الطب والعمل الإنساني والإدارة العامة والدبلوماسية، فصار عنوانا لفكرة أن السفير الحقيقي لا يمثل حكومة فحسب، بل يحمل وطنا كاملا على كتفيه.
من حضرموت بدأت الحكاية
ولد عادل باحميد في حضرموت عام 1973، تلك الأرض التي صدّرت إلى العالم تجارا وعلماء ودعاة، وعرفت الهجرة منذ قرون حتى صار الحضرمي في جنوب شرق آسيا جزءا من نسيج المجتمع هناك. ولعل في هذه الخلفية ما يفسر الكثير؛ فابن حضرموت يعرف بالفطرة معنى أن تكون بعيدا عن الدار، ومعنى أن تبني جسورا مع الشعوب الأخرى دون أن تفقد هويتك.
درس الطب والجراحة العامة في جامعة عدن وتخرج عام 1999، ثم نال درجة الماجستير في طب المجتمع والصحة العامة من الجامعة ذاتها عام 2007. واختياره لطب المجتمع تحديدا يحمل دلالة واضحة؛ فهو تخصص لا ينظر إلى المريض فردا معزولا، بل إلى المجتمع بأكمله بوصفه جسدا واحدا يحتاج إلى وقاية ورعاية وتخطيط.
قائد طلابي قبل أن يكون دبلوماسيا
لم تكن سنوات الجامعة مجرد محاضرات ومختبرات. فقد ترأس باحميد اتحاد طلاب كلية الطب، ورأس الهيئة التنفيذية لاتحاد طلاب جامعة عدن في الفترة من 1995 إلى 2000، ثم شغل منصب نائب رئيس اللجنة التحضيرية لاتحاد الطلاب. هناك تعلم الدرس الأول في القيادة: أن تكون صوتا لمن حولك، وأن تتحمل مسؤولية مطالبهم وأحلامهم. وهذه البذرة المبكرة ستنمو لاحقا لتصبح أحد أبرز ملامح شخصيته الدبلوماسية، وهو الاهتمام الخاص بالطلاب اليمنيين في الخارج.
مسيرة في العمل الإنساني والتنموي
قبل أن يدخل عالم الدبلوماسية، قضى باحميد نحو عقدين في العمل الإنساني والتنموي. فقد عمل مديرا لفرع الندوة العالمية للشباب الإسلامي في عدن بين عامي 1998 و2004، ثم تولى منصب المدير التنفيذي لمؤسسة العون للتنمية من 2004 حتى 2015، وهي مؤسسة يمنية غير ربحية تعمل في مجالات التعليم والصحة وتنمية البنية التحتية المجتمعية.
وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، أشرف على برامج تعليمية وصحية وتنموية في محافظات يمنية عديدة. كما أسهم في تأسيس عدد كبير من المؤسسات المدنية أو عضوية مجالس أمنائها، من بينها مؤسسة المتطوعين التي كان مؤسسها، ومؤسسة حضرموت للتنمية البشرية، ومؤسسة صلة للتعليم والعلوم والمنح الدراسية، ومؤسسة مبادرة الشباب، إضافة إلى عمله نائبا لرئيس منظمة حضرموت الصحية، وعضويته في الهيئة الاستشارية لمؤسسة حضرموت لمكافحة السرطان.
وإلى جانب ذلك كله، ظل مرتبطا بالعمل الأكاديمي، إذ يدرّس الصحة العامة في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة حضرموت منذ عام 2011، وكان عضوا في مجلس أمناء كلية البنات بالجامعة، وفي مجلس إدارة المستشفى الجامعي للنساء والولادة والأطفال في المكلا.
هذه السيرة الحافلة تكشف عن رجل لم ينتظر المنصب ليخدم الناس، بل كان المنصب امتدادا طبيعيا لمسيرة بدأها متطوعا وناشطا مجتمعيا.
محافظ في زمن العاصفة
في عامي 2015 و2016، تولى الدكتور عادل باحميد منصب محافظ محافظة حضرموت ورئيس مجلسها المحلي ورئيس لجنتها الأمنية والعسكرية. وقد جاء ذلك في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها المحافظة والبلاد عموما، حيث تداخلت التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية بصورة غير مسبوقة.
إن تحمّل مسؤولية أكبر محافظات اليمن مساحة في ظرف كهذا ليس امتيازا، بل اختبار قاس للإرادة والحكمة. وقد خرج الرجل من هذه التجربة بخبرة ميدانية عميقة في إدارة الأزمات، وفهم دقيق لحاجات المواطن البسيط حين تضيق عليه الأرض.
كوالالمبور: عقد من الحضور الدبلوماسي
بعد تجربة قصيرة رئيسا تنفيذيا لمؤسسة نماء في ماليزيا، صدر قرار تعيينه سفيرا للجمهورية اليمنية لدى ماليزيا في أكتوبر 2016، ليبدأ مرحلة جديدة امتدت قرابة عشر سنوات حتى اليوم.
وخلال هذه السنوات، حرص على تعزيز العلاقات اليمنية الماليزية على مختلف الأصعدة. فقد التقى مرارا بكبار المسؤولين في وزارة الخارجية الماليزية، وبحث معهم سبل تطوير التعاون الثنائي، واطلاعهم على مستجدات الأوضاع في اليمن وجهود الحكومة الشرعية نحو سلام دائم. كما ناقش مع الجانب الماليزي تجديد اتفاقية التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي بين البلدين، وهو ملف بالغ الأهمية بالنظر إلى أعداد الطلاب اليمنيين الدارسين في الجامعات الماليزية.
ولم يقتصر نشاطه على الجانب السياسي، بل امتد إلى التنسيق الأمني، حيث بحث مع مسؤولين في مجلس الأمن الوطني الماليزي أهمية رفع مستوى التنسيق بين البلدين في مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والجريمة المنظمة.
المغتربون في قلب الاهتمام
إذا كان للسفير باحميد بصمة يتحدث عنها اليمنيون في ماليزيا أكثر من غيرها، فهي اهتمامه المستمر بأوضاع الجالية. فاليمني في الغربة لا يبحث فقط عن تجديد جواز أو تصديق شهادة، بل يبحث عن من يقف إلى جانبه حين تتعقد إجراءات الإقامة، أو حين تتأخر المستحقات، أو حين يجد نفسه وحيدا أمام نظام لا يعرف لغته جيدا.
وقد حرص السفير في لقاءاته مع المسؤولين الماليزيين على أن تكون أوضاع الجالية اليمنية بندا ثابتا على جدول الأعمال. ففي لقائه بالأمين العام لوزارة الخارجية الماليزية، طُرحت أوضاع الجالية وسبل تحسينها، وعبّر عن شكره لسلطات الهجرة الماليزية والجهات المعنية على تسهيل إجراءات تمديد إقامات المواطنين اليمنيين. وتكرر هذا التقدير في أكثر من مناسبة، إذ أشاد بتعاون السلطات الماليزية مع الجالية اليمنية وتسهيلها إقامة اليمنيين في البلاد.
بل إن اهتمامه وصل إلى المستوى المحلي، حين التقى بعمدة كوالالمبور الدكتورة ميمونة شريف ليبحث معها أوضاع الجالية اليمنية في العاصمة الماليزية. وهذه خطوة لافتة؛ فالسفير يدرك أن حياة المغترب اليومية لا تتشكل في أروقة وزارات الخارجية وحدها، بل في الأحياء والمدارس والأسواق والدوائر المحلية.
الطالب والمريض والأسرة
تضع السفارة اليمنية في كوالالمبور تحت قيادته رؤية واضحة تقوم على تقديم تمثيل متميز وخدمات قنصلية ممتازة، وتنص رسالتها على أن جودة الخدمات القنصلية غايتها خدمة الجاليات اليمنية. وتتوجه هذه الخدمات إلى فئات محددة: المواطنين، وطلاب الجامعات، والمرضى، والزوار.
ولكل فئة من هذه الفئات حكايتها. فالطالب اليمني الذي جاء إلى ماليزيا يحمل حلم أسرة كاملة يحتاج إلى من يتابع ملفه الأكاديمي ويدافع عن مصالحه. والمريض الذي قطع آلاف الكيلومترات بحثا عن علاج لم يجده في بلاده يحتاج إلى من يسهل إجراءاته ويخفف عنه وحشة المستشفيات الغريبة. والأسرة التي تعيش في ظروف صعبة تحتاج إلى من يتذكرها.
ومن الطبيعي أن يكون رجل بخلفية طبية في الصحة العامة، وتاريخ طويل في العمل الإنساني والطلابي، أكثر إحساسا بهذه الاحتياجات من غيره. فهو لا يتعامل معها بوصفها معاملات إدارية، بل بوصفها حكايات بشر يعرف تفاصيلها جيدا.
كما شهدت كوالالمبور مبادرات مجتمعية لدعم الأسر اليمنية المقيمة في ماليزيا، من بينها بازار نظمته مبادرة يمن رايحين بالتعاون مع وكالة الإغاثة الماليزية، وهو نموذج على حيوية الجالية وتكافلها، وعلى المناخ الذي يجمع بين العمل الرسمي والمدني في خدمة اليمنيين هناك.
دبلوماسية الصورة الجميلة
من الملامح اللافتة في عمل السفارة خلال السنوات الأخيرة حرصها على تقديم صورة اليمن الحضارية، لا صورة الحرب وحدها. ففي مطلع عام 2026، أصدرت السفارة تقويم “اليمن 2026″، وجاء في تقديمه أن الأمل يبقى أكبر من الجراح وإن أثقل الألم كاهل الوطن. وقد احتفى التقويم باليمن أرضا للحضارة العريقة والتاريخ المجيد، وبإرثه الحي من البن الذي حمل اسم اليمن إلى العالم، إلى العسل والتمور التي عُرفت بها أرضه عبر العصور.
هذه المبادرة البسيطة في شكلها عميقة في معناها؛ فهي تذكّر المغترب بأن وطنه ليس عبئا يحمله، بل هوية يفخر بها، وتقدم للماليزيين وغيرهم وجها لليمن يستحق أن يُعرف.
أبواب مفتوحة للكلمة والإبداع
لم تكن أبواب السفارة مفتوحة للمعاملات الرسمية وحدها، بل للثقافة والإبداع أيضا. ومن المواقف التي تعكس هذا التوجه الزيارة التي قامت بها الدكتورة شروق عطيفة ، رئيسة منصة دار الإلهام، إلى السفير الدكتور عادل باحميد، حيث أهدته رواية من إصدارات دار الإلهام للنشر، في لفتة تجمع بين التقدير لدور السفارة والاحتفاء بالكلمة اليمنية المبدعة في المهجر.
ولهذه الزيارة دلالة تتجاوز إطارها البروتوكولي؛ فالرواية وعاء للذاكرة والهوية، والكاتب اليمني في الغربة يحمل وطنه بين السطور كما يحمله الدبلوماسي في مواقفه. وحين يلتقي الاثنان تتشكل صورة متكاملة لليمن الذي يُبنى في الخارج بالعلم والأدب والعمل المؤسسي. كما تؤكد الزيارة أن المبادرات الثقافية التي يقودها اليمنيون في ماليزيا، وفي مقدمتها منصة الإلهام ودارها للنشر، تجد في السفارة شريكا مرحبا وداعما.

مهارات تصنع الفرق
يمتلك السفير باحميد إلى جانب خبراته العملية حزمة من المهارات التي انعكست على أدائه، فهو يتقن العربية والإنجليزية حديثا وكتابة، ويملك مهارات في الخطابة والإقناع والتدريب والتواصل، فضلا عن اهتمامه بالكتابة الأدبية. كما حصل على برامج تدريبية متخصصة في القيادة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي، من بينها برنامج التميز القيادي لرواد الأعمال في جامعة كارنيجي ميلون بقطر، وبرنامج تطوير مهارات القيادة لقادة السلطات المحلية في تركيا، وشهادة بطاقة الأداء المتوازن.
وليس غريبا أن تحمل صفحة السفارة على الإنترنت شعار إدارة الجودة، وأن تتيح نموذجا لطلب مقابلة السفير مباشرة، في إشارة إلى ثقافة الباب المفتوح التي يحرص عليها.
خاتمة: وطن يسكن رجلا
حين نقول إن الدكتور عادل باحميد سفير بحجم وطن، فنحن لا نبالغ في المديح، بل نصف مسيرة رجل حمل اليمن معه أينما ذهب: طبيبا يداوي المجتمع، وناشطا يبني المؤسسات، ومحافظا يواجه العاصفة، ودبلوماسيا يطرق أبواب الوزارات والبلديات دفاعا عن مواطن بسيط يبحث عن إقامة أو مقعد دراسي أو سرير في مستشفى.
في غربة اليمنيين الطويلة، يبقى وجود مثل هذه النماذج عزاء وأملا؛ عزاء بأن الوطن لم ينس أبناءه، وأملا بأن اليمن الذي يُبنى في الخارج بالعلم والعمل والكرامة سيعود يوما ليبني الداخل. وإلى ذلك اليوم، سيظل اليمنيون في ماليزيا يذكرون أن سفارتهم كانت بيتا، وأن سفيرهم كان واحدا منهم.




